Travel Tips
Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit.

المتابع لحالة الدعوة والمناظرات الغربية، سواء من حديثي الإسلام أو من المسلمين الذين ترعرعوا في الغرب = يجد حالة من حالات الاحتفاء الشديد بسورة (الإخلاص) لا يجدها الإنسان بنفس هذا الزخم في الحوارات الفكرية العربية بجميع مستوياتها (السنية/السنية - الإسلامية/الإسلامية - الإسلامية/غير الإسلامية) رغم التلقين الدائم لفضل هذه السورة لدى جزء كبير من المسلمين منذ نعومة أظفارهم.
"مفهوم الرب هو نواة الخبرة الدينية ويعني الركن الأول من أركان الإسلام (لا إله إلا الله) -ببساطة-: مركزية مفهوم الله بالنسبة للمسلم في كل مكان، وفي كل فعل، وفي كل فكرة، وفي كل زمان. فوعي المسلم ممتلئ بوجود الله تعالى على الدوام وهو شاغله الأسمى"
إسماعيل راجي الفاروقي - التوحيد ومضامينه على الفكر والحياة
يقول أبي بن كعب رضي الله عنه: "إن المشركين قالوا للنبي -صلى الله عليه وسلم- انسب لنا ربك. فأنزل الله عز وجل: {قل هو الله أحد (1) الله الصمد (2) لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد (3)}" إذن فهذه الآيات نزلت في تعريفنا بالله عز وجل، وفي تعريف المشركين بالله الذي نعبده، بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم أقر الصحابي ذاك الذين كان يقرأها في كل ركعة في الصلاة فسئل عن ذلك، فأجاب: "لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها" فقال له النبي: "أخبروه أن الله يحبه".
إذن؛ نرى أن السورة نزلت في الأصل لمحاججة المشركين والتعريف بالله جل وعلا، وهو ما يثير نفس التساؤل السابق: إن كان هذا هدف السورة الأسمى فلماذا تغيب عن ساحاتنا الفكرية؟ هل هو الزهد بها أم ضعف مستويات المخالفين الذين لن يفهموا إذا احتججت عليهم بالقرآن؟
مكمن الأمر هنا هو ملاحظة المسلمين في الغرب لكمية التشويه المباشر لصورة الإله الذي يتم من أهل الديانات الأخرى.
في خضم هذه الدوامة التي تمثلها الأديان الأخرى يغيب الإسلام بشكل شبه كامل لأسباب مباشرة أو غير مباشرة، وأهمها طبعا تصويره على أنه دين الإرهاب من قبل وسائل الإعلام الغربية. لكن سورة الإخلاص تأتي لتحقق للغربيين مالم يجدوه في الديانتين المحرفتين: تأتي لتصحيح التصور عن الله جل جلاله، بصفات لا تليق إلا به سبحانه، تتمحور كلها حول هذه الغاية دون أي ذكر لأشياء أخرى، كأنها لب ما في القرآن من صفات الجلال والجمال.
يمكن أن نرى أن المقصد الأساسي لسورة الإخلاص هو وضع الحد الفاصل الذي لا يمكن الخلط معه بين صورة الإنسان وطريقة تفكيره وعمله وتقديره للأشياء، وبين الله عز وجل، بل إن السورة ترمي إلى أكثر من ذلك، ترمي إلى سد كافة الطرق التي قد تؤدي لشيء مثل هذا.
وخلاصة الأمر أن مركزية هذه السورة تأتي من عدة جوانب، أحدها (وهو المراد هنا) سدها لكل الذرائع التي قد تؤدي لتشويه صورة الإله في عقول البشر كما حصل في ديانات أخرى، وصارت تلك السورة وأخواتها صمام الأمان الأول والأقوى لمنعة وحفظ هذا الدين، فبذلك التمييز بين الله جل جلاله والبشر كافة، صار التمييز بين كل ما هو إلهي وكل ما هو بشري، بذلك التمييز حفظ المسلمون القرآن بوصفه كلام الله حقيقة، والسنة بوصفها جزءا من الوحي الإلهي، واللغة بوصفها أداة لفهمهما، والتاريخ بوصفه مقياس التحقق من سندهما (أي القرآن الكريم والسنة المطهرة)، وغيره الكثير مما سعت فيه هذه الأمة، وكان سبب سعيها فيه هو (الإيمان حفظ الوحي) أو بطريقة أخرى: تحققها بمبدأ الفصل الكامل بين الله جل جلاله والإنسان، عملا بقاعدة: \"كل ما خطر ببالك فالله خلاف ذلك\"
هذه السورة مركزية بين سور القرآن فيما يخص صفات الله عز وجل، وُعِد من يحبها بالجنة، وأقر النبي صلى الله عليه وسلم وصفها بـ (صفة الرحمن)، وهي جزء من سلسلة (مركزية التوحيد) التي يتمتع بها العقل والفكر والعلوم الإسلامية، ذلك ما فهمه هؤلاء المسلمون الجدد عندما قارنوا التصور الإسلامي عن الإله بكل تصوراته الأخرى التي يعرفونها، ففقهوا القاعدة العظيمة في هذا الباب، قاعدة الفرق بين الخالق والمخلوق.
شكرا لوقتكم الثمين، ودمتم بودّّ.
التعليقات
جاري تحميل التعليقات...