Travel Tips
Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit.

في تفسير ظاهرة الشر؛ يشيع بين العلماء نوعان من التفسيرات: النزوعي والموقفي، ويمكن تعريف الأول بأنه (تفسير الظواهر الاجتماعية بالاعتماد على شخصية الفرد وميوله ومعتقداته وقيمه الأولية) بينما يعرّف التفسير الموقفي بأنه (تفسير الظواهر وفقا للبيئة والسياق والظروف المحيطة بالفرد).
يعد هذا الكتاب من الكتب التي انتصرت لوجهة النظر الموقفية في تفسير الشر تفسيرًا موقفيًا، كيف لا ومؤلف الكتاب هو العالم الشهير فيليب زيمباردو صاحب واحدة من أكثر التجارب شهرةً (تجربة سجن ستانفورد) والتي صدمت حتى المشاركين فيها بطريقة تأثير الموقف عليهم وقناعتهم التامة بأنهم في واقعٍ حقيقيٍ لا في تجربة.
ناقش الكتاب موضوعين أساسيين لتقوية وجهة النظر الموقفية، الأول هو تجربة سجن ستانفورد حيث يوثّق كل النقاط المهمة فيها توثيقًا دقيقًا (مما قد يدفع للملل في بعض مواطن الكتاب)، والثاني هو مجازر أبو غريب التي قام بها الأمريكان في حق العراقيين، ويقارن بينهم في الظروف والنتائج وغير ذلك.
قبل الدخول في التفاصيل أود نقل نص هام من الكاتب: "لكن دعوني أوضح نقطة فاصلة، فهم (سبب) ما حدث ليس (بمسوغ) لما حدث، التحليل النفسي لا يهدف إلى اختلاق الأعذار، وعلى الأفراد والجماعات الذين يقدمون على أفعال غير أخلاقية أو غير قانونية تحمل المسؤولية والخضوع للمحاسبة القانونية على ما تورطوا فيه ..."
يقدّم زيمباردو الطبعة العربية بسؤال لطالما راود الكثيرين: "إن واحدة من الأسئلة التي لطالما أوقعتني في الحيرة منذ طفولتي هي كيف أمكن حدوث الهولوكوست في مجتمع مثقف ومتحضر كما كان عليه الحال في ألمانيا في ثلاثينيات القرن الماضي؟ ويبقى السؤال نفسه قائمًا بالنسبة لأحفاد مرتكبي [هذه] الشرور؛ بل وللسواد الأعظم من المواطنين المذنبين بتهمة التقاعس الذين عرفوا بالشر الموجود في أوساطهم ثم لم يكترثوا له وأشاحوا ببساطة بعيدًا بأبصارهم..." وهو ما سيجيب عنه الكاتب فيما بعد في ثنايا الكتاب تحت عنوان "آليات التعطل الأخلاقي".
ومن ثم يعرّف زيمباردو الشر بأنه "تعمد التصرف بطرق تؤذي، أو تعتدي على، أو تحقر، أو تسلب الإنسانية عن الآخر البريء أو تدمره، ويقوم أيضًا على استغلال الفرد لصلاحياته وسلطاته النظامية في تشجيع الآخرين على ذلك أو في السماح لهم بالقيام به نيابة عنه. باختصار؛ هو (معرفة الأفضل مع القيام بالأسوأ)".
ثم يستخدم زيمباردو تجربة ستانفورد (وهي تجربة أقيمت بعينات عشوائية من الطلاب الجامعيين الذين تم تقسيمهم عشوائيا بين حراس وسجناء ومن ثم ملاحظة مدى تأثير الدور الجديد على كل واحد منهم -- يمكن مراجعة الوثائقيات التي صوّرت عن التجربة لمزيد من الاطلاع --) لدراسة المكونات الثلاثة في تأثير الشيطان (حسب ما يسمي الكاتب التحول نحو الشر) وهي: (الفرد - الظرف - النظام).
يسرد زيمباردو التجربة بشكل مطوّل وكافٍ لاستيعاب كافة التفاصيل المهمة في التجربة التي اضطر لإنهائها فيما بعد بسبب الظروف اللاإنسانية التي وصلت التجربة لها، ثم يشرع في تحليل التجربة ودلالاتها في فصلين كاملين وأقتبس من الفصلين بعض النصوص الهامة:
-يقول زيمباردو شارحا أكبر المشاكل التي تساعد في وقوع الناس في الشر بمجرد توفر السياقات المناسبة: "نريد أن نؤمن بالطيبة كعنصر أساسي غير متغير في البشر، وبقدرتهم على مقاومة الضغوط والتقدير العقلاني، ومن ثم رفض غواية الموقف. نضع في الطبيعة الإنسانية خصائص إلهية وقدرات أخلاقية وعقلانية تجعلنا عادلين وحكماء بالقدر نفسه. نبسط درجة تعقيد التجارب الإنسانية بإنشاء حد فاصل غير قابل للاختراق بين الخير والشر، نحن وأقاربنا ومن يشبهنا موجودون على أحد جانبيه؛ وعلى الجانب الآخر نقصيهم هم وأقاربهم وأشباههم المختلفين عنا. وللمفارقة فإن صناعة أسطورة العصمة من المؤثرات الظرفية تسهل من فرص سقوطنا في براثنها لأننا لم نكن نحذر منها بالشكل الكافي".
وبعد إثباته قدرة القواعد على تشكيل الواقع، يحذّر زيمباردو من تسلّطية القواعد قائلا: "لكن العديد من القواعد هي مجرد أقنعة للتسلط من قبل صانعيها أو المسؤولين عن إنفاذها" وهذا ما كشفه تلاعب بوش باتفاق جنيف الدولي وإعادة تعريفه للتعذيب الذي وثّقه زيمباردو في كتابه.
ومنطلقا من بحث آخر شهير بـ (بحث ميليغرام) يستخلص زيمباردو القواعد العشر لتحويل الأخيار إلى أشرار:
وفي الفصل الثالث عشر تطرق الكاتب لواحدة من أهم النقاط في الكتاب التي سماها (آليات التعطل الأخلاقي) وهي الجواب لسؤال (كيف تجعل الشخص يعزل ذاته أخلاقيا عن أي سلوك شرير قد يقترفه؟) وذلك يتطلب واحدة أو أكثر من الآليات التالية:
ثم للتأكيد على مدى الوحشية التي ممكن أن يصل لها البشر حسب السياق ذكر الكاتب إحصائية مرعبة "أكثر من 65000 أمريكي تعرضوا لسلب القدرة على الإنجاب (التعقيم) في الفترة 1920-1940 عندما استخدم
المدافعون عن فكرة تحسين النسل تبريرات علمية لتطهير الجنس البشري من أصحاب السمات غير المرغوب فيها ..."
قد يكون أكثر ما لفتني في الكتاب هو ما سمّاه الكاتب شرّ التقاعس، ويكفي في التدليل عليه الاقتباس الذي اقتبسه الكاتب: "الشيء الوحيد الذي يحتاجه الشر لينتصر هو عدم قيام الصالحين بأي شيء".
ثم انطلق الكاتب في تجربة أبو غريب، وبدأ يثبت أن المجندين الذين خدموا في ذلك السجن كانوا أصحاء نفسيا مثل أي شخص آخر لكن السياق والظرف الذي وضعوا فيه مع بعض الأوامر التي جاءتهم هي ما جعلهم هؤلاء المتوحشين، وحمل الكاتب ما حصل في أبو غريب للإدارة الأمريكية كاملة بداية من إدارة السجن وصولا إلى بوش الابن.
وفي الفصل الأخير تحدث زيمباردو عن البطولة وذكر نماذج لأبطال تغلبوا على الظروف التي وضعوا فيها، وقدم بعض النصائح للمساعدة على تجنب التأثر بالظروف السيئة:
شكرا لوقتكم الثمين، ودمتم بودّّ.
التعليقات
جاري تحميل التعليقات...