Travel Tips
Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit.

"فما زال في وسع الكلمات أن تحمل صاحبها وأن تعيد حاملها المحمول عليها إلى داره. وما زال في وسع الذاكرة أن تشير إلى تاريخ"
محمود درويش
(1)
عام 2006 وبينما كان الرئيس المصري المخلوع "حسني مبارك" يستمتع بحضور مباريات كرة القدم، كانت مصر تشهد واحدة من أبرز كوارثها في العصر الحديث: عبّارة السلام.
غرقت عبّارة السلام في البحر بينما كانت تحمل أكثر من ألف راكب، وحسب ويكيبيديا: "في 3 فبراير 2006 اختفت عبارة السلام 98 على بعد 57 ميلاً من مدينة الغردقة المصرية على ساحل البحر الأحمر وأشارت التقارير الأولية عن بعض الناجين من الحادثة عن أن حريقاً نشب في غرفة محرك السفينة وانتشر اللهيب بسرعة فائقة"
في السنة التالية كان الشاعر الكبير "فاروق جويدة" في اليونان يشهد غرق شباب مصري كان يحاول العبور بنفسه من "العالم الثالث" إلى حلم "العالم الأول" فكتب قصيدته الشهيرة التي مطلعها:
قد عشت أسأل أين وجه بلادي؟؟
أين النخيل ؟ وأين دفء الوادي؟لاشيء يبدو في السماء أمامنا
غير الظلام وصورة الجلادهو لا يغيب عن العيون كأنه
قدر كيوم البعث والميلاد
وختمها بقوله: "هذي بلاد لم تعد كبلادي"
كانت صرخة شاعر في وجه طغيان مبارك، وفي وجه الآفاق المسدودة أمام المواطن المصري البسيط، الذي يموت مرة بعبّارة لم تحقق أدنى متطلبات السلامة، ومرة باحثا عن حياة كريمة، والمشترك في الحالتين: "انعدام قيمة الإنسان".
(2)
خرجنا من بيتنا عام 2012 في حي الميدان الدمشقي، متجهين نحو بيت أحد المعارف في حي آخر بعيدا عن "الأحداث" كما يحلو للبعض تسميتها، أو "المذابح والإبادة الطائفية" كما هو اسمها الحقيقي.
كانت الأيام مسرعة لاستقبال رمضان، فما لبثنا إلا أياما قليلة حتى دخل رمضان علينا مع معارك مشتعلة على أكثر من جبهة في أنحاء سوريا.
الشعب ضد الطاغية: واحدة من أوضح القضايا في بياضها الناصع، ومن أكثرها ضبابية حينما تتحول لتنفيذ على أرض الواقع، حينما يتشابك الإنساني بالسياسي، حيث لا مجال للخطأ.
أذكر أننا قضينا رمضان كاملة في متابعة الأخبار، وأكثر ما كان صادما في تلك الفترة هو انهيار قوات النظام في مدينة حلب ذات الثقل التاريخي والجغرافي الكبير.
سقطت حلب بيد الثوار أخيرا، وصارت الأنظار تتجه نحو تضييق الحصار على النظام في دمشق ..
مرّت الأيام وخرجت من سوريا كلها، لنفاجأ في 2016 بمذابح لا نهائية يقوم بها الطيران الروسي في حلب، فمنذ تدخلهم لحسم المعركة لصالح الأسد لم يتوحش الروس كما توحشوا في حلب عام 2016 .. سقطت حلب مرة أخرى، لكن هذه المرة .. سقطت بيد فرعون العصر الحديث.
منذ 2016 إلى 2018 توالت المدن بالسقوط في يده واحدة تلو الأخرى وكأن أحدا لم يمت وكأن شيئا لم يكن .. ثم وجدتني لا إراديا أردد: "هذي بلاد لم تعد كبلادي"
(3)
الزمان: 22-05-2024
كنت أنافح عن الثورة وعن مصير هذا الشعب دائما وأبدا، وأناقش الناس بحرقة "ما فيه حاكم بينتصر على شعبه، مو هيك سنن التاريخ!!" وليلا قبل الذهاب للنوم أفتح تويتر باحثا عن أخبار المجازر الجديدة في سوريا ثم أردد "هذي بلاد لم تعد كبلادي".
لكن هذا اليوم كان مختلفا، أو لنكن دقيقين أكثر: هذه السنة كانت مختلفة.
فإضافة للظروف الإقليمية والسياسية، كان هناك صوت قوي جدا في داخلي يقول: "سقط الأسد، بدك تنام وتفيق وتلاقيه ساقط" .. هل هو صوت الإيمان بالفكرة التي ما فتئت أرددها "ما فيه حاكم بينتصر عشعبه"؟ أم هو صوت المستغيث من الرمضاء بالنار (فبعد أن سُدّت في وجه الإنسان السوري كل الأبواب صار الوهم هو الشعور المريح)؟ المهم أنني في هذا اليوم تحديدا أرسلت رسالة لأخي: "جهز خطتك الشخصية، لما بعد بشار الأسد، باقيله سنة بالكثير .. سماع مني"
دارت الأيام وزاد الضيق وأغلقت الأبواب وخفت الصوت في داخلي لكنه لم ينقطع .. لنصحو يوم الخامس من ديسمبر في نفس السنة على تحرير حماة، عندها أدرك الجميع سقوط دمشق .. إذن سقطت دمشق، وسقط الأسد .. انتهت الحكاية
يومها صرت أضحك ليلا وأقول: "أيه .. سبحانك يا ربي .. مبارح ما كانت بلادي"
وكتبت ناسجا على منوال جويدة:
قد عشت أسأل أين وجه بلادي؟؟
أين النخيل ؟ وأين دفء الوادي؟لاشيء يبدو في السماء أمامنا
غير الظلام وصورة الجلادهو لا يغيب عن العيون كأنه
قدر كيوم البعث والميلادلكننا في الأرض نحن جذورنا
أبدا نلين لظالم متماديقد كنت أصرخ في ظلام دامس
هذي بلاد لم تعد كبلاديوالآن أبشر يا بني شعبي فما
قد فات مات وقد دعسنا العاديكانت بلادا لم تكن كبلادي
واليوم أرض الحشر والمعياد
التعليقات
جاري تحميل التعليقات...