Travel Tips
Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit.

لطالما وقفت مدهشًا صامتًا أمام لقطات آلة الزمن، سواء في الأفلام أو القصص أو الروايات أو أفلام الكرتون سابقًا، كانت دائما تعني لي الكثير، كنت أرى نفسي ذاهبًا إليها، ثم متوجهًا إلى داخلها، مارًا في تلك المرحلة التي تجعل كل شيء حولك لولبي، قبل أن تصل وجهتك.
نعم! اللولبية تلك تحديدا هي ما كان يلفت نظري، عندما تنظر لسير حياتك سابقًا، فأنت تعرف أنها لولبية، وأن طريقة سيرك تلك لو قمت بها مرة واحدة، دون الفواصل التي نعيشها، لأصبت بالدوار، إنها كالمتاهة الدائرية اللانهائية!
أقف أمام آلة الزمن، أتقدم ببطء، مغاضبًا، خائفًا، تائهًا، متحمسًا، فرحًا، منتظرًا، متلهفًا، ضائعًا... تلك هي! ضائعٌ تماما، لا أدري لماذا أريد أن أجربها، ما الذي ستحمله تلك الآلة لي؟ أوليس الماضي قد عشته بكل تجاربه؟ والمستقبل سأعيشه بكل تفاصيله؟ ما سبب بحثنا الدائم عن ذاتنا من خلال أوقات معينة؟ ما الذي تعنيه لي آلة الزمن؟
أتشجع قليلا، أضع قدمي داخلاً وأعود فيها سنوات طوال إلى الوراء، لا أدري عدّتها تحديدًا، لكنني أدري أنني هناك، في ذلك الوقت والزمان، أراني أتألم بحرقة، وأجادل بعنف.
أريد حضور فلم (عمر المختار) الذي لم أستطع حضوره في عرضه الأول على القناة الأرضية، التي كنا نقضي ساعتين في تعديل هوائيّها (الأنتين أو الآنطين أو الأنتينا أو سمها ما شئت، لا يهم الآن) لكي نشاهد خمس دقائق مرتاحين دون تقطيع في الصورة، وتشويش في الصوت، أجادل أهلي كثيرًا، ربما بكيت أيضا، لا أدري لأن الصورة هنا ليست واضحة تماما.
في عودتك للماضي ترى الصورة بشكل مختلف، تراها بعين الحاضر، لكن بتفاصيل الماضي، هناك عندما كانت أكبر همومي أن أتابع فلمًا يتكلم عن بطل من أبطالي، بسلامٍ، وعلى حساب الانزعاج الذي سأحظى به في اليوم التالي حتى أصحو للذهاب إلى المدرسة، كانت أحلامًا جميلة، كانت أحلام الصغار، كانت... كان صرحًا من خيال فهوى.
أخرج لأمشي قليلًا، ترى ما شأن فيروز؟ ما شأن عبد الباسط عبد الصمد؟ ذاك التنافس المحتدم في صغري، لم يكن بين مشجعي برشلونة وريال مدريد، كان التنافس الوحيد وقتها هو للأصوات الصادرة من الدكاكين، إلى جانب صوت الشاي الذي يتم صبّه من شاهق حتى يصدر صوته الموزون ورغوته الفاتنة، كان هناك صوتان يتنافسان في كل زقاق، إما صوت فيروز، أو صوت عبد الباسط عبد الصمد، عندما كانت الأصوات تحتل حياتنا، عندما كان للفن قيمة، عندما كانت هدوء الصباح وسكينته يأتي من موسيقى حانية، أو من قرآن مطمّئن، كان للهدوء قيمة، كانت أيامًا حنونة، كانت..... كان صرحًا من خيال فهوى.
أعود إلى آلة الزمن، أطلب منها أن تنقلني إلى هناك، إلى اليوم الذي خط فيه الأبيض خطّاً في شعري، إلى اليوم الذي تعلمت فيه قول الجواهري:
دمشق عشتك ريعانًا وخافقةً ** ولمةً والعيون السود والأرق
وها أنا ويدي جلدٌ وسالفتي ** ثلجٌ ووجهي عظمٌ كاد أو عرقا
وأنت لم تبرحي في النفس عالقةً ** دمي ولحمي والأنفاس والرمق
أعود، أتلفت حولي، حيث الخوف في كل مكان، أريد فقط أن ألاحظ تلك الثواني تحديدًا، أريد فقط أن أسأل: إن أعطيتموني شيب الختيار (العجوز) فلم لم تعطونني هدوءه؟ سكينته؟ مكانته؟ راحته؟ أين ذهب كل ذاك، لماذا لا تكملون مهامكم على أكمل وجه؟ لماذا تركتموني صغيرًا، في وقت كان يجب أن أكون فيه كبيرًا قويًا عاقلاً؟ أريد أن أواجه تلك اللحظة التي وضعت ذلك اللون في شعري، لكنني لا أستطيع لحاقها، لا أستطيع! أترك لها رسالة على لسان القصيبي قائلا:
وإن مضيت فقولي لم يكن بطلاً ** وكان يمزج أطوارًا بأطوار
مرة ثالثة، أتجه إلى فترة غريبةٍ من فترات حياتي، وحيدًا منتظرًا يد العون، وحيدًا أحقق ذاتي، وحيدًا أبحث عني، وحيدًا أنفصل عن نفسي وأصبح اثنين، أصبح عقلاً وروحًا، فلا أنا هذا ولا ذاك، أحارب كثيرًا، أراني الآن حق الرؤية، تتضح الصورة أكثر، أفكّر في فلان الذي تزعجني تصرفاته، أستغرب تعامله، لا أفهم منطقه، أنظر إليّ سائلًا: إلى أي مدى يكون الجنون كامنًا في الإنسان؟ كيف نكره ما سنؤول إليه؟ أقول لي مستعينا بنزار هذه المرة:
عندما أركب في الليل قطارات الجنونطالما أنتَ معيلست مهتما بما كانوما سوف يكون
اليوم أنا مثله، ذاك الذي كنت لا أفهمه، اليوم أنا أكاد أكون هو، لماذا؟ لماذا لم أتقبل شخصًا كان يريني مستقبلي؟ هل نخاف التشابه كل هذا؟ أترك الإجابة كي أنتقل إلى آلة الزمن مرة أخرى.
أدخل إليها، لا أدري أأعود إلى حاضري أم أكمل التنقل في مستقبلي، أضغط أزرارًا متعددة، أحس بدوار، تزداد الحلقات اللولبية حولي، لا أستطيع أن أركز، هل الآلة حصل لها عطل ما؟ أم عقلي لم يعد يستطيع تركيب كل الصور سويًا؟ لا يهم الآن، فأنا عالقٌ في الماضي وأنا عالقٌ في الحاضر، وأنا عالقٌ في المستقبل، أشعر بالضياع، أشعر بالمأزق، ألفظ كلماتي مستعينًا بمحمود درويش:
لا أحس بخفة الأشياء أو ثقل الهواجس
لم أجد أحدًا لأسأل:
أين (أيني) الآن
أين مدينة الموتى؟ وأين أنا؟
فلا عدم هنا
في اللاهنا
في اللازمان
ولا وجود
شكرا لوقتكم الثمين، ودمتم بودّّ.
التعليقات
جاري تحميل التعليقات...